قلــب الوطــــن

قلب الوطن مجروح .. لا يحتمل اكتر

رباعية الديمقراطية للدكتور مراد وهبه (٢-٤) .. نظرية العقد الاجتماعى

إذا كانت نشأة العلمانية فى القرن السادس عشر مردودة إلى نظرية دوران الأرض للعالم الفلكى البولندى كوبرنيكس فإن نشأة نظرية العقد الاجتماعى فى القرن السابع عشر مردودة إلى مفهوم «الموافقة» للفيلسوف الإنجليزى جون لوك، وإذا كانت العلمانية هى المكون الأول والأساسى للديمقراطية فنظرية العقد الاجتماعى هى المكون الثانى.

والسؤال بعد ذلك هو على النحو الآتى:

ما العلاقة بين نظرية العقد الاجتماعى والموافقة؟

أثار لوك هذا السؤال فى كتابه المعنون «رسالتان عن الحكومة».
فى الرسالة الأولى الفكرة المحورية تدور حول تدمير مبدأ الحق الإلهى للملوك، أى أنه ليس من حق الملك الزعم بأن سلطانه مستمد من سلطان الله، إذ هو مستمد من سلطان الشعب، وفى الرسالة الثانية الفكرة المحورية تدور حول أصل المجتمع، إذ المجتمع لم يكن موجوداً مع بداية وجود بنى البشر، وإنما الذى كان موجوداً هو ما يسميه لوك «حالة الطبيعة»، حيث كل إنسان هو قانون نفسه،
ولهذا لم يكن ثمة سلام، فالضعفاء لم يكن لديهم من يحميهم من الأقوياء، والأقوياء أنفسهم كانوا فى ذعر من منافسيهم، الأمر الذى أفضى فى النهاية إلى تكوين مجتمع بـ«عقد اجتماعى» ينص على «موافقة» البشر على التنازل عن بعض حقوقهم لحاكم يأتى بإرادتهم فى مقابل أن يحققلهم الأمن والأمان.
ويلزم من ذلك أن يكون سلطان الحاكم سلطاناً نسبياً وليس سلطاناً مطلقاً.. ومن هنا تكون نظرية العقد الاجتماعى مؤسسة على العلمانية بحسب تعريفى لها بأنها «التفكير فى النسبى» بما هو نسبى وليس بما هو مطلق.
ويلزم من ذلك أيضاً أن المفاهيم المترتبة على العقد الاجتماعى تكون مفاهيم نسبية بالضرورة. ويأتى فى مقدمة هذه المفاهيم مفهوم التسامح، وقد حرر لوك «رسالة فى التسامح» نشرها فى عام ١٦٨٩، أى قبل عام من صدور كتابه «رسالتان عن الحكومة»، وقد نشر «التسامح» و«الرسالتان» دون ذكر اسم مؤلفها جون لوك،
وسبب ذلك مردود إلى أنه قد اتهم بالتورط فى مؤامرة ضد الملك فهرب من إنجلترا إلى هولندا، وكان ذلك الملك هو جيمس الثانى كان كاثوليكياً متعصباً إلى الحد الذى أراد فيه أن يتحالف ـ بتعصبه ـ مع فرنسا وروما، وبسبب هذا التعصب قام الشعب بثورة وخلعه من عرشه، وسميت هذه الثورة باسم «الثورة الإنجليزية المجيدة».

والسؤال بعد ذلك:
ماذا يعنى التسامح عند لوك؟
ثمة عبارات فى «رسالة التسامح» كاشفة عن معنى التسامح، وأنا أنتقى منها أربع هى على النحو الآتى:
«ليس من حق أحد أن يقتحم، باسم الدين، الحقوق المدنية والأمور الدنيوية»، «فن الحكم ينبغى ألا يحمل فى طياته أية معرفة عن الدين الحق». «خلاص النفوس من شأن الله وحده»، «الله لم يفوض أحداً فى أن يفرض على أى إنسان ديناً معيناً».

والسؤال إذن:
ما مغزى هذه العبارات؟
مغزاها عند لوك، أن التسامح يستلزم ألا يكون للدولة دين حتى لو كان هذا الدين، من بين الأديان الأخرى، هو دين الأغلبية لأنه لو حدث عكس ذلك، أى لو كان للدولة دين الأغلبية فتكون هذه الأغلبية طاغية بحكم طبيعة الدين، من حيث هو مطلق، والطاغية بحكم كونه إفرازاً من المطلق، هو مطلق بالضرورة، وعندئذ يمتنع التسامح بحكم أنه نسبى لأنه من إفراز العقد الاجتماعى المؤسس على العلمانية، إذن ثمة علاقة عضوية بين التسامح والعلمانية.
والسؤال إذن:
ماذا تعنى النسبية فى التسامح؟
جواب لوك أن النسبية فى التسامح تعنى أن التسامح لا يمكن أن يكون بلا حدود، ففى رأيه أن الحاكم ينبغى عليه ألا يتسامح مع الآراء المضادة للمجتمع الإنسانى أو مع القواعد الأخلاقية الضرورية للمحافظة على المجتمع المدنى ويعنى ذلك أن التسامح ينطوى على نقيضه وهو اللاتسامح.
وقد أَثَرتُ هذه الإشكالية فى مؤتمر إقليمى عقدته فى جامعة الدول العربية فى نوفمبر عام ١٩٨١ تحت عنوان «التسامح الثقافى»، وبسبب هذا العنوان كان ثمة تخوف، لدى المؤسسة الغربية التى كانت الداعم الأساسى لهذا المؤتمر، أن تناول قضية التسامح يستلزم تناول قضية التعصب،
وقد قيل وقتها إن التعصب هو الذى اغتال الرئيس السادات، وهو الذى كان يهدد الدولة بإحداث انقلاب أو ثورة، وقد أشرت إلى هذا التخوف فى الجلسة الافتتاحية، إذ قلت فيما قلت إن هذا المؤتمر سيواجه تناقضات عديدة، ومن هذه التناقضات أن التسامح بلا حدود يدمر التسامح، وأن الإبداع إفراز من التعصب على نحو ما حدث لإبداع كوبرنيكس الخاص بنظرية دوران الأرض، فهذه النظرية، تم إبداعها فى زمن كان محكوماً بمحاكم التفتيش فى العصور الوسطى الأوروبية.

وكان السؤال المثار بعد ذلك:
هل فى الإمكان رفع هذه المتناقضات؟
وكان جوابى أن هذا السؤال يستلزم العودة إلى الجذور، ولكن أية جذور؟ هل هى جذور التسامح أم جذور عدم التسامح، أو بالأدق التعصب لأنه هو الذى كان سائداً ولايزال؟
وأظن أن البحث عن جذور التعصب لم يكن من مهمة نظرية العقد الاجتماعى، وإنما من مهمة التنوير فى القرن الثامن عشر.

بقلم د.مراد وهبة
١٠/ ١٠/ ٢٠٠٩ 

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: