قلــب الوطــــن

قلب الوطن مجروح .. لا يحتمل اكتر

رباعية الديمقراطية للدكتور مراد وهبه (٤-٤) .. الليبراليـــة

الليبرالية لفظ مُعرب، واللفظ المُعرب هو اللفظ المصبوغ بصبغة عربية عند نقله بلفظه الأجنبى إلى اللغة العربية. واللفظ الأجنبى هنا هو
Liberalism
وهو مشتق من اللفظ اللاتينى
Liberalis
ومعناه«الإنسان الحر».
وبعد ذلك ثمة سؤالان:

متى نشأ مصطلح الليبرالية؟
وما معناه؟
عن السؤال الأول نجيب بأن ثمة ثلاثة أقاويل عن نشأة الليبرالية: قيل أولاً إن عام ١٨١٢ هو بداية تداول هذا المصطلح لتحديد هوية حزب سياسى إسبانى.
وقيل ثانيًا إن نشأة الليبرالية ملازمة لنشأة الرأسمالية بدعوى أن الرأسمالية هى الطريق إلى تحقيق الغاية من الليبرالية وهى حرية الفرد.
وقيل ثالثًا إن حروب الأديان فى القرنين السادس عشر والسابع عشر فى أوروبا قد انبثقت عنها الليبرالية، لأن التسامح هو الطريق إلى منع الحروب، وهو فى الوقت نفسه الآن الطريق إلى الليبرالية من حيث إن التسامح يستلزم الحرية.
هذا عن السؤال الأول، فماذا عن السؤال الثانى؟
ثمة ثلاثة تعريفات لليبرالية:
التعريف الأول يحصرها فى حماية الملكية الخاصة، وحيث إن الملكية الخاصة هى المكون الرئيسى للرأسمالية، فالعلاقة إذن بين الليبرالية والرأسمالية علاقة عضوية، ومن ثم فإن مَنْ يرفض الملكية الخاصة ويدعُ إلى الملكية العامة يقف مع ماركس ضد الليبرالية.
والتعريف الثانى يوجزها فى قدرة الفرد على تحديد غاياته بنفسه.
والتعريف الثالث أن الليبرالية تعنى أن سلطة الفرد فوق سلطة المجتمع.
وأنا أوثر التعريف الثالث على التعريفين الأول والثانى لأنه يتناول بدقة تحديد العلاقة بين الفرد والمجتمع. فالملكية الخاصة، فى التعريف الأول، هى ملكية الفرد وليست ملكية المجتمع. وفى التعريف الثانى اختصاص الفرد بتحديد غاياته يجعله مستقلاً عن المجتمع. ومعنى ذلك أن التعريف الثالث هو الأفضل لأنه لا يراوغ فى تحديد العلاقة بين الفرد والمجتمع.
وأظن أن الفيلسوف الإنجليزى جون ستيوارت مِل هو الذى انشغل بالبحث فى ذلك التعريف الثالث فى كتابه المشهور والمعنون «عن الحرية»، ولذلك يقال عنه إنه الفيلسوف المنظّر لليبرالية فى القرن التاسع عشر.

والسؤال إذن: ماذا تعنى الحرية عند هذا الفيلسوف؟
الحرية، عنده، تكمن أولاً فى تحديد العلاقة بين الحكام والمحكومين، وتكمن ثانيًا فى تحديد العلاقة بين الفرد والمجتمع. عن العلاقة الأولى يكون المحكومون مهمومين بالدفاع عن أنفسهم وذلك بالحد من سلطة الحكام، وتسهم الأحزاب فى الحد من هذه السلطة، ولكن مع تواصل الصراع فى اتجاه أن يكون المحكومون هم الذين يختارون الحكام حتى يكون لهم الدور الفعال فى إحداث تطابق بين مصالح المحكومين ومصالح الأمة.

إلا أن ثمة ظاهرة جديدة بزغت من بين المحكومين وهى فئة من الشعب زعمت أنها الأغلبية وراحت تقهر الأقلية، الأمر الذى أدى بهذه الأغلبية إلى الطغيان وأطلق عليها جون ستيوارت مِل «طغيان الأغلبية»، ومع الوقت تحول هذا الطغيان من المجال السياسى إلى المجال الاجتماعى، ومن ثم صك مصطلح «طغيان الرأى العام»،
وهو يعنى الزعم بأن من حق المجتمع أن يطلب من جميع أعضائه الانصياع للرأى العام. ومِل لا يقبل طغيان الرأى العام إلا إذا كان مرهونًا بعدم وأد حرية الفكر وحرية التعبير، فإذا حدث ووأد الرأى العام هذه الحرية فمعنى ذلك أن ما يقوله الرأى العام هو حقيقة مطلقة، المطلوب إذن عدم الوقوع فى براثن الحقيقة المطلقة حتى نتجنب وأد الحرية.
والسؤال إذن: كيف نحقق هذا المطلوب؟
جواب مِل أن على الدولة والمجتمع أن يكونات على قناعة بأن الرأى المعارض للرأى العام يمكن أن يكون صائبًا. أما أنا فأرى أنه كان على مِل أن يتعمق مفهوم الحقيقة المطلقة الذى يعنى «توهم» امتلاك الحقيقة المطلقة. وقد كرّس كانط فلسفته لإزالة هذا الوهم من أجل تأسيس التنوير، إلا أن هذا التأسيس لم يكن ممكنًا من غير نظرية العقد الاجتماعى عند لوك، وهذه لم تكن ممكنة من غير العلمانية عند كوبرنيكس.
ومع استكمال التعمق لمفهوم الحقيقة المطلقة عند مِل يمكن إضافة ليبرالية مِل إلى ثلاثية العلمانية والعقد الاجتماعى والتنوير، فتكون لدينا «رباعية الديمقراطية».

بقلم د.مراد وهبة
٧/ ١١/ ٢٠٠٩

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: